|
لماذا ؟ سؤال يحمل فى طياته ما هو أهم من التنفس وأهم من الحصول
على السعادة وأهم من رفع الألم والمعاناة ، أن الإجابة عليه
ضرورية وأساسية .
لقد
أعطانى الله أبنى ماجد الذى تمت ولادته فى 2 مارس 1980 ، هذه هى
عطية الله لكن بعد الولادة بثلاثة شهور شعرت أنه مختلف ، وأن
حواسه بأكملها لا تعمل ما عدا حاسة السمع .
وبدأت رحلة الألم وليس الأمل ، كانت رحلة شاقة ومؤلمة بدأت
بالعلاج فى الداخل والخارج على أساس أن ماجد مريض مثل أى إنسان
ويحتاج للعلاج .
وكانت المفاجأة الأكبر ليس فى تضارب الأطباء وتناقض التشخيص لكن
عدم تحسن ماجد ولو خطوه واحده تعطى الأمل فى استكمال مشوار
العلاج ، وأنهار الأمل فى رحلة الألم لأم تحمل وليدها وتتمنى له
لا أن يكون أفضل من الأولاد من حوله لكن كل الأمانى كانت أن يكون
ماجد شخص طبيعى كباقى الأولاد فى الأسرة .
ثم
جاءت الفكرة التى ربما يظن البعض أنها الحل السليم لأى مشكلة
صحية ، وهى السفر للخارج وتم السفر وهناك كانت المفاجأة الأكبر
أن ماجد ليس مريضاً عادياً ، لكن يجب معاملته على أنه متخلف
عقلياً وعدم قدرته على الرؤية أو الكلام الصحيح هو أن خلايا المخ
بها ضمور خاصة ما يتصل بالعين ، وبالرغم من أن العين سليمة
تماماً لكن لا يستطيع أن يبصر ، وما زاد من إلمى أضعافاً هو
الكلمات القاسية التى سمعتها من الأطباء وكانت كالصاعقة فى
تأثيرها على آذانى وقلبى الذى يحب أبنى كأى أم ، تلك الكلمات :
Treat him as a cat or a dog .
Love him
* هل يمكن أن يسمح الله بذلك ؟
* لماذا يعطى الله عطايا فى نظرى
أنها ناقصة ؟
* لماذا لم يولد ماجد كباقى
الأطفال ؟
كثير
من الأسئلة وصمت وغضب وحيره لماذا هذا العقاب من الله .
وأخذت أفكر فى حياتى الماضية وكانت الساعات ثقيلة وطويلة ،
واستعرضت شريط حياتى منذ أن بدأت اكتشف الحياة من حولى ، ولم أجد
فى حياتى من أحداث سوى خدمة الله ومحبة الله التى ملأت كل حياتى
، فقد كنت طوال سنوات حياتى أخاف الله وأطيع وصاياه ، لست كاملة
لكن لم أجد ما يبرر عقاب الله لى من خلال أبنى ماجد ، وكلما
أتأمل ابنى أمامى وأنا أجد نفسى متأمله حزينة وأود لو أصرخ لأعبر
عن مشاعر الغضب والثورة والمرارة داخلى ، وكلما اكتشف صعوبة
التعامل مع أبنى ماجد وصعوبة فهم احتياجاته ، تزداد الثورة
وتتزايد الأسئلة داخلى إلى أن أصبح ماجد عمرة من السنين سنتان
ونصف ، وعندها كان اليأس قد تمكن منى بالكامل .
وكان
السؤال هو : هل يمكن أن يخرج من اليأس شيء إيجابى أم فقط يقوده
للانهيار والدمار .
لكن
الأمر العجيب أن هذا اليأس قادنى إلى الله أكثر ، وشعرت بالحاجة
إليه أكثر من أى وقت مضى ، فكانت الصلوات والدعوات إلى الله لا
لكى يشفى ماجد لكن طلباً للمعونة والمساندة الإلهية فى مشكلة
مؤلمه مثل ماجد ذلك المخلوق العجيب .
وسألت نفسى هل يمكن قبول ماجد كما هو ؟
هل يمكن أن أقبله وأحبه وأفكر فيه باعتباره عطية الله التى ينبغى
أن أشكر الله عليها وأن كان الله قد جعلنى فى امتحان مثل هذا
الامتحان الصعب لكنه بالتأكيد يعطى مع التجربة المنفذ ، لأن الله
لا يدعنا نجرب فوق ما نحتمل ، لكنه أمين معنا فى كل ظروفنا التى
سمح بها ، لكى ندرك قصده وأرادته فى حياتنا وحياة أولادنا ، وفى
هذه اللحظة التى بدأت فى طلب مسانده الله ورحمته بدموع شعرت
وسمعت ورأيت ما لم يكن متوقعاً يحدث أمام عينيى ، وهو أن ماجد
يتحرك وعينيه تتحرك نحوى ونحو الأشياء الموجودة حوله ، لم أصدق
من الفرح وشعرت والدموع تنهمر من عينى أن الله هو هو أمس واليوم
وإلى الأبد كما صنع قديماً معجزات لا يزال هو صاحب السلطان على
كل شيء ، يسمع الصلاة ويستجيب حتى ولو كان الأمر مستحيلاً من
الناحية الطبية والعلمية ، فلا يستحيل على الرب شيء لكنه يفعل
لكل منتظرية
وهنا
فقط بدأت رحلة السفر للعلاج بالخارج ولكن ليس كالمرات الأولى فقد
أشرق بصيص (شعاع) من الأمل فى داخلى بشأن طفلى من ذوى
الاحتياجات الخاصة ، فقد كنت أرفض استخدام تعبيرات صادمه مؤلمه
وهى أن ابنى متخلف عقلياً أو معاقاً وكم كانت كلمات الناس جارحة
مؤذية بالنسبة لى عندما يقولون أن أبنى مجنون أو متخلف أو
........
لقد
كان شعاع الأمل يزداد ويقودنى إلى أن أتعامل مع أبنى ماجد من
منطلق الحب ، وما أكثر المعجزات التى صنعها الحب ، فلا يمكن أن
يكون حصاد الحب يأس أو غضب أو أحباط ، لكن حصاد الحب هو ألأمل
والبركات .
وكانت نتيجة هذا الحب المتدفق نحو عطية الله لى أن بدأ ماجد
يتعلم مهارات صعبة على الأسوياء ربما فى بعضى الأحيان .
×
تعلم ماجد السباحة والتى حقق فيها مراكز متقدمة فيما بعد على
مستوى الجمهورية وليس فقط بالإسكندرية .
×
تعلم ماجد ركوب الدراجات بمهارة فائقة وشجاعة نادرة .
×
تعلم ماجد الألوان والأشكال والأحجام والتحق بمراكز رعاية ذوى
الاحتياجات الخاصة التى من خلالها استطاع رعاية نفسه وشعر ولأول
مرة أنه مثل أخيه يستطيع أن يذهب إلى المدرسة .
وبدأت أتعلم لكى أعلمه
تعلمت كيفية وضع نظام غذائى صحيح والابتعاد عن ألوان معينة (
صاخبة ) لكى يكون هادئاً .
كما
تعلمت كيفية استخدام بعض العبارات والكلمات لكى يرددها ويتعلمها
وكان ذلك وهو فى سنة 10 سنوات ، وظل هكذا إلى أن بلغ سن 16 سنة
وهنا بدأت مشاكل من نوع مختلف كانت معها رحلة معاناة جديدة بخصوص
استخراج البطاقة الشخصية ، الأمر صعب خاصة أنه غير مقيد فى مدارس
خاصة أو حكومية وفى سنة 18 سنة كان لابد من تحويله لمصحة نفسية
وعصبية كمجنون ومريض مرض عقلى للإعفاء من التجنيد رغم أنه غير
مريض عقلياً أو مجنوناً .
وفى
سن 21 لا يستطيع أن يتعامل مع البنوك أو الحسابات لأنه غير كامل
الأهلية والقانون لا يسمح له بالتصرف فى أمواله .
وهنا
لمعت فكرة فى ذهنى واستولت على كل تفكيرى وأصبحت أراها كما لو
كانت حقيقة فى صحوى وفى منامى وكان ذلك عام 2000 م وبدأت أكتب
هذه الرؤية وكانت خطوات التنفيذ لقرية الأمل .
وكانت البداية فوق قطعة أرض صغيرة نمتلكها كأسرة فى برج العرب ،
وكانت الخطة هى أن تكون فيلا للأسرة ومكان راحة وسط أعباء العمل
المختلفة .
لكن
لأن الرؤية كانت واضحة ومعالمها كانت أمام عينى فكانت البداية
لإشهار جمعية قرية الأمل التى تأسست فى 10/12/2000 وأخذت أسم
قرية الأمل . وهو عنوان رحلة الألم التى مررت بها وكانت إرادة
الله أن تتحول إلى رحلة الأمل .
وكانت البداية الفعلية بعدد 6 أولاد فى أكتوبر 2001 وشعرت فى تلك
الساعة أننى أشارك 6 أسر فى حل مشاكلهم وتحويل الألم إلى أمل فى
رحلة معاناتهم التى سبق وأن سرت فيها من قبل .
وبعد
سنوات قليلة أصبحت الآن قرية الأمل مؤسسة متكاملة لرعاية ذوى
الاحتياجات الخاصة وأصبحت معاناتى الشخصية سبب بركة لعشرات الأسر
المتألمة التى تبحث عن الأمل وسط امتحان الله لهم ولصبرهم ، لقد
أصبحت قرية الأمل شجرة وارقه الظلال بعد أن كانت بذرة ونبته
صغيرة .
ففى
قرية الأمل الآن مقر لإنهاء إجراءات التجنيد لذوى الاحتياجات
الخاصة لمواليد ما قبل سنة 1985 ، وفى قرية الأمل الآن تدريب
مهنى متخصص لتدريب ذوى الاحتياجات الخاصة تساعدهم على مساعدة
أنفسهم بل ويكسبون من عملهم لمساعدة أسرهم بعد أن كانوا عاله
وحمل ثقيل ، فهناك الكثير منهم يعمل الآن فى المخبز الآلى التى
تم إنشاءه داخل القرية والبعض فى النجارة والزراعة والصوب
الزراعية والأعمال اليدوية والفنون والأشغال التى ينتجون من
خلالها أجمل الأعمال والتى يقف أمامها الأسوياء مذهولين ، ومن
خلال قرية الأمل بدأت فكرة أنشاء شبكة للتعاون بين 22 جمعية
عاملة فى نفس المجال للدفاع عن حقوق متحدى الإعاقة الذهنية.
كما
تم عمل تحرك جاد وفعال نحو استخراج تراخيص عمل معتمدة لذوى
الاحتياجات الخاصة بالتعاون مع إدارة التأهيل المهنى .
أن البحر الكبير أصلة نقطة ماء
والزمن الطويل أصلة ثانية
والفكر العميق أصلة كلمة
والتغيير القوى أصلة حركة
والضوء المبهر أصلة شمعة
أو عود كبريت علينا أن نشعله
بدلاً من أن نلعن الظلام
وأن الأبطال ليس هم الذين لا
يفشلون أو ييأسون ، لكن الأبطال هم الذين لا يستسلمون
فلا مكان لليأس والإحباط وإنما
هناك مساحة للأمل .
فلنجعل شعاع الأمل يشرق على
قلوبنا ، فتكون البداية لكل عمل مثمر وفعال .
ندى ألفى ثابت |